السيد محمد تقي المدرسي

34

من هدى القرآن

فبعضهم يقول : يوماً ، وبعضهم يقول : ساعة من نهار ، المهم أنهم يطرحون هذا السؤال بينهم ويناقشونه ، وهناك علاقة وثيقة بين قصة أصحاب الكهف والعبرة منها ، وبين قصة الإنسان في رحلته الطويلة من الحياة إلى الموت ، ومن الموت إلى الحياة سنذكرها مستقبلا إن شاء الله . قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ في البداية قالوا : يوماً وكانوا يعتقدون أنهم ناموا يوماً كاملًا ، ثم بعدما حددوا مسير الشمس وفكَّروا جيداً ، توصلوا إلى أنهم لم يناموا هذا المقدار فاستدركوا قائلين : أو بعض يوم قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ بعدئذ أخذوا يفكرون أكثر وبرزت أمامهم عدة تساؤلات . . فربما كانت هناك شجرة أمام الكهف فلم يجدوها ، أو شاهدوا هنا صخرة لم تكن من قبل ، وبلا شك فإن بعض التطورات والتغيرات حدثت في البيئة المحيطة بالكهف ، فتراجعوا عن قولهم ، وعلموا بأن هناك حقيقة مجهولة لا تزال غامضة عليهم ، وهي طول مدة نومهم ، لذلك سكتوا عن هذا الأمر وقالوا : ربكم أعلم كم لبثتم ؟ وكيف لبثتم ؟ . الطريق إلى العلم وقبل أن ننتقل إلى المجموعة الثانية من الآيات ، لا بأس أن نتدبر قليلًا في هذه الآية ، إن رحلة الإنسان من الشك إلى اليقين ، ومن الجهل إلى العلم ، ومن الغرور إلى التبصر ، تشبه إلى حد بعيد رحلة الإنسان من النوم إلى اليقظة ، فالنوم وسبات الجسم يشبه سبات العقل والعلم أي الجهل ، فكما أن الله سبحانه هو الذي ينقل الجسم من حالة النوم والسكون إلى حالة اليقظة والحركة ، فهو أيضاً الذي ينقل العقل من حالة الجهل والركود الفكري إلى العلم والنشاط الفكري الخلاق ، فعلى الإنسان أولًا : أن يهتدي إلى جهله وهذه بداية مسيرة العلم ، فيقول : إنني لا أعلم ، ولكن ذلك لا يعني أن العلم غير موجود ، فالله يعلم ، ولأن الله يعلم وأنا لا أعلم فلابد أن أتحرك نحو الله حتى أقتبس من نور علمه . وكلمة لَبِثْتُمْ تشمل عدة تساؤلات : كيف لبثتم ؟ كم لبثتم ؟ ما هي مجريات الأمور وتطورات الأحداث التي أحاطت بكم في هذه الفترة ؟ . فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ في حصول الإنسان على العلم عليه ألا يصبح متجرداً عن الواقعيات ، فاجتهد في تحصيل العلم الذي ينفعك ، ولا تبحث في أمور بيزنطية جدلية ، فالقرآن يقول : أن هؤلاء جلسوا وخططوا وفكروا وقالوا : حسناً كم بقينا على حالنا ؟ وكيف بقينا ؟ تلك قضية جانبية ، أما القضية الأهم فهي الجوع ، فلنتحرك إلى